الشيخ محمد مهدي الآصفي

90

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

فضل الكعبة : وقد خصّ الله - تعالى - الكعبة بفضل عظيم ، يقول أمير المؤمنين ( ع ) في فضل الكعبة : « أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ، اخْتَبَرَ الْاوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ، إلَى الْاخِرِينَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ ؛ بِأَحْجَار لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً . ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْارْضِ حَجَراً ، وَأَقَلَّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْاوْدِيَةِ قُطْراً . بَيْنَ جِبَال خَشِنَة ، وَرِمَال دَمِئَة ، وَعُيُون وَشِلَة ، وَقُرًى مُنْقَطِعَة ؛ لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ ، وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ . تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْافْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَار سَحِيقَة وَمَهَاوِي فِجَاج عَمِيقَة ، وَجَزَائِرِ بِحَار مُنْقَطِعَة ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلا يُهَلِّلُونَ ( يهلّون ) للهِ حَوْلَهُ ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ ، ابْتِلَاءً عَظِيماً ، وَامْتِحَاناً شَدِيداً ، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً ، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً ، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ ، وَوُصْلَةً الَى جَنَّتِهِ . وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ ، بَيْنَ جَنَّات وَأَنْهَار ، وَسَهْل وَقَرَار ، جَمَّ الْاشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ ، مُلْتَفَّ الْبنىَ ، مُتَّصِلَ الْقُرَى ، بَيْنَ بُرَّة سَمْرَاءَ ، وَرَوْضَة خَضْرَاءَ ، وَأَرْيَاف مُحْدِقَة ، وَعِرَاض مُغْدِقَة ، وَرِيَاض نَاضِرَة ، وَطُرُق عَامِرَة ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ . وَلَوْ كَانَ الْاسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا ، وَالْاحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا بَيْنَ زُمُرُّدَة خَضْرَاءَ . وَيَاقُوتَة حَمْرَاءَ ، وَنُور وَضِيَاء لَخَفَّفَ ذلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ ابْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ ، وَلكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ ، اخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً الَى فَضْلِهِ ، وَأَسْبَاباً ذُلُلا لِعَفْوِهِ » .